مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

77

شرح فصوص الحكم

علوه لذاته فهو العليّ بعلو المكان ولم يقل فهو العليّ بالمكان لأن فيه إثبات الجلوس تعالى عن ذلك فلا يتعالى عن علو المكان بل يتعالى عن نفس المكان وأشار إليه فيما سبق بقوله وهو يتعالى عن المكان ولم يقل يتعالى عن علو المكان ( فعلوّ المكان ) للحق ثابت بالنص الإلهي ( ك الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) أي أظهر علوه الذاتي بجعل هذا المكان تحت تصرفه وقدرته ( وهو ) أي العرش ( أعلى الأماكن ) لأنه ليس فوقه مكان فكان علو العرش بعلو المكان وعلو فلك الشمس بعلو المكانة فهو العليّ بعلو هذا المكان الأعلى مع أنه العليّ بالعلو الذاتي ( وعلو المكانة ) ثابت للَّه أيضا بالنص وهو كقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] لأن هلاك كل شيء وبقاء ذاته تعالى مرتبة ليس فوقها مرتبة وكذلك قوله تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] إذ رجوع الأمر كله إليه مرتبة عظيمة وكذلك أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ * [ النمل : 60 ] إذ الانفراد بالألوهية مرتبة رفيعة ليس فوقها مرتبة وكما أن علو المكان ثابت للَّه بالنصوص كذلك في حق المخلوق ثابت بالنصوص فشرع في بيان ذلك بقوله : ( ولما قال تعالى وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) ) [ مريم : 57 ] على ما هو غيره من الأمكنة ( فجعل عليّا نعتا للمكان ) عرفنا منه أن العلو ليس له ذاتيا لأنه لا يعم مع إشراك الأماكن في حدّ المكان علمنا أن علوه لمرتبة عند اللّه تعالى لا لمكانية المكان وإلا لكان لكل مكان فعلوّ فلك الشمس لمرتبة هي قطبية للأفلاك لمرتبة القطبية أصالة وللمكان تبعا وجواب لما قولنا عرفنا أو علمنا حذف للعلم به ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] فهذا علو بالمكانة ) لأن الخليفة عليّ على من استخلف عليه فكان علوه لكونه خليفة لا لكونه إنسانا ( وقال في الملائكة أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] فجعل العلو للملائكة ) فعلمنا منه أن العلو لهم لا لكونهم ملائكة ( فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة كلهم في هذا العلو فجعل العلو للملائكة ) فعلمنا منه أن العلو لهم لا لكونهم ملائكة ( فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة كلهم في هذا العلو ) ولم يعمهم هذا العلو ( فلما لم يعم مع اشتراكهم في حدّ الملائكة عرفنا أن هذا علو المكانة عند اللّه وكذلك الخلفاء من الناس ) لا يكون علوهم الحاصل بالخلافة ذاتيا لأنه ( لو كان علوهم ) الحاصل لهم ( بالخلافة علوا ذاتيا ) لطبيعتهم ( لكان ) ذلك العلو حاصلا ( لكل إنسان ) ولم يعم ذلك العلو لكل إنسان ( فلما لم يعم عرفنا أن ذلك العلو للمكانة ) . ولما فرغ عن بيان علو المكان والمكانة شرع في بيان العلو الذاتي بقوله : ( ومن أسمائه الحسنى العليّ على من وما ثمة إلا هو ) لأنه من أسمائه الذاتية فلا يستدعي بالإضافة فإذا كان عليا وما ثمة غيره ( فهو العلي لذاته أو ) هو العلي ( عن ما ذا ) أي عن أيّ شيء اكتسب العلو ( وما هو ) أي ليس ذلك الشيء ( إلا هو ) إلا عين الحق لا غيره فإذا كان ما استفاد الحق منه العلو عين الحق ( فعلوه لنفسه وهو ) أي الحق ( من حيث الوجود عين الموجودات ) وإن كان كل واحد منهما ممتازا بالوجوب والإمكان فلا يكتسب العلو عن